Book Review : الجسد في الحمّام

العريان والعريان ما يتلاقو كان في الحمّام

مثل شعبي تونسي لخّصت به الكاتبة خولة الفرشيشي البعد الرّوحي للحمّام بما فيه من خروج من واقع الحداثة ورجوع إلى الأصل وإلى اللّحظة الأولى في الحياة، جاعلةً من فعل الاستحمام انزياحًا كُلّيًّا عن البعد المادّي لعالمنا الخارجي و فسحةً نفسيّة للرّاحة والابتهاج

كتابنا اليوم هو عبارة عن بحث أجرته الكاتبة الصّحفيّة خولة الفرشيشي والذي تولّت نشره دار النّشر ‘نقوش عربيّة’ في العام الماضي. كي لا آخذ من وقتكم الكثير وكي لا نخوض في مواضيع لا يتّسع المجال لها، سأقوم بإدراج أهمّ النّقاط الإيجابية مُقابل أبرز النّقاط السّلبيّة لهذا الكتاب على شاكلة رؤوس أقلام ثمّ سأختم بانطباعي حوله

: الإيجابيّات

يُعدّ البحث مرجعا جيّدا لما يحويه من معلومات قيّمة قد تحمل إفادة لكلّ قارئ يعتريه الفضول للتّعمّق في تراثنا وحضارتنا واكتساب معرفة جديدة تخصّ أشياء لطالما اعتبرناها من المسلّمات أو اكتفينا بالقدر الضّئيل الذي تحمله ثقافتنا ومخيالنا الشعبي حول الموضوع. يُعدّ الكتاب أساسا عرضًا تاريخيّا وثقافيّا ومعماريّا لحمّامات المجتمعات العربيّة الإسلاميّة والحضارات ما قبل الاسلاميّة مثل الحمّام الرّوماني

تطرُّق الكاتبة لمختلف العادات والتّقاليد الخاصّة بفعل الاستحمام عموما، وبالحمّام التّونسي خصوصا، وما يحمله هذا الأخير من انعكاسات لثقافتنا الشعبيّة وباعتباره همزة وصل بين ماضينا وحاضرنا

الإلمام بمختلف العناصر التي تتناول بالشرح البُعد التاريخي والثقافي والمعماري للحمّام. في بُعده التاريخي، قام الكتاب بالتعرّض إلى الحمّام الروماني والحمّام التونسي. وفي جانبه المعماري، شرحت لنا الكاتبة الهويّة المعماريّة ومختلف الوحدات الأساسية لفضاء الحمّام مُدعّمة شرحها بصُور توضيحيّة لكلّ وحدة. أمّا في بُعده الثّقافي، فقد تطرّق البحث إلى مختلف الوظائف والطّقوس والرّمزيات للحمّام إضافة إلى الإلمام ببعض أبعاده الأسطوريّة أو الميتافيزيقيّة

الإضافة المعرفية التي شكّلها الكتاب في إطار نُدرة البحوث والانتاجات الأدبيّة في هذا المجال وخاصّة في مثل هذه المواضيع التي تعتريها بعض الحساسيّات الدّينيّة وغيرها

تضمُّن البحث لمعلومات مُستمّدَّة من نشاط ميداني ومصادر مُوثّقة ممّا يُضفي عليه الكثير من المصداقيّة

: السّلبيّات

يبدو كٌلُّ من العنوان وما تحمله اللّمحة على محتوى الكتاب مُسقطين على هذا البحث وفحواه. فالكتاب بالأساس يتمركز حول الأصول التاريخية والمعمارية والجانب الثقافي للحمّام وليس حول جسد المرأة ومكانته في ثقافتنا العربيّة الإسلاميّة. وبالتالي فإنّ من باب المغالطة أن تجعل ممّا سبق ذكره فرصةً للتّسويق لموضوع لا يمتّ بصلة لفحوى الكتاب

في تواصل مع الفكرة السّابقة، تحملُ صورة الغلاف كذلك بُعدًا تجاريّا للَفت انتباه القارئ وجذبه لاقتناء الكتاب. عنوانٌ يُبطنُ مُخاتلة وصورةٌ جاذبة كمصيدة للذّباب. فكما أشرتُ سابقا، لا العنوان ولا اللّمحة على محتوى الكتاب ولا حتّى صورة الغلاف في علاقة مباشرة بما تناولهُ البحث بالدّراسة. عناصرٌ تُخاتلُ الوعي الجمعيّ بكمّاشة اللّغة المُحيلة التي تعتمدُ على ما يُعرف بالكلمات المفاتيح والتي بدورها تنفتحُ على مُعجم حارق، مُشوّق، مُحرَّم، مُحبّب وجالب

في الختام، بصرف النّظر عن السّلبيّات التي أشرتُ لها سابقا، يبقى للبحث قيمة علميّة لا يُمكن تجاهلها حيثُ يطرحُ موضوعا قلّما تمّ تداولهُ والخوض فيه. فالحمّام موروث حضاري لطالما كان جُزءا من هويّتنا وثقافتنا

1 réponse

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *